سياسة تنموية تتخذ الريف مركزاً
لا تتحرج الأنظمة الدكتاتورية من التغيير المستمر لكل ما أعلنته من سياسات أو مبادئ أو مواقف ، وذلك لأنها لا هم لها سوي العمل علي ما تحافظ به علي سلطانها مهما كانت الوسائل ، ونظام إسياس الدكتاتوري وقد تناسى تماماً ما كان يتنطع به بالأمس من سياسات تقول بإقامة ارتريا صناعية وسياحية علي غرار الدول المعروفة بنمور آسيا نجده يعلن اليوم وكأنه قد أحس بتقبل الشعب لسياسات برنامج جبهة التحرير الارترية ـ المجلس الثوري التي تهدف الي إقامة صناعة تعتمد علي الزراعة ، يعلن أن سياسته التنموية سوف تجعل من الريف مركز اهتمامها .
نحن من جانبنا وإن كنا لا ننتظر من هذا النظام أن يتقبل سياستنا أو يطبقها عملياً فإن مجرد حديثه عن موضوعيتها مضطراً أو مختاراراً يعتبر خطوةً في الطريق الصحيح ، ولكن لا بد لنا أن نوضح هنا أن التنمية التي تستهدف الريف وتركز عليه ترتبط ارتباطاً أساسياً بالسلام والعدالة وملكية الأرض وليست أمراً معلقاً هكذا في الهواء بلا شروط .
إذا لم يمتلك الفلاح أرضه الزراعية ملكاً حراً ، وما دام النظام لا يضمن أنه لن ينتزع المزارع من أرضه ومصدر رزقه ليزج به في أتون الحروب التي يشعلها صباح مساء ، فلن تقوم هذه السياسة الموضوعية بتطبيق نفسها بنفسها آلياً من دون الاعتماد علي إشراف البشر ، وما لم تمتد خدمات الكهرباء والطرق الي الأرياف ومادام بالتالي يتم تسويق الانتاج في المدن فلن يكون المزارع مسروراً من تلك السياسة التي تستهدف تنمية الريف كما هو الزعم الحالي .
كذلك إذا شعر المزارع أن ثمار كده وعرقه تذهب دائماً الي جيوب رجال السلطة وأثرياء المدن فلن يثنيه شيء عن ترك الأرض الزراعية والبحث عن سبل أخري لتحسين ظروفه المعيشية ، وإذا أردنا أن يتفاني المزارع ويخلص في خدمة الأرض فلا بد من التوزيع العادل للثروة ، وبمعني آخر علينا توفير الظروف التي تمكن المزارع من قطف ثمار عرقه وبذله ، ولن يتحقق هذا الشرط إلا بوجود سلطة ديمقراطية يكون المزارع مشاركاً فيها ، ولهذا يجب أن نعلم أن كل تنمية تستهدف الريف مرتبطة جدلياً بالسياسة والاقتصاد والنظام الديمقراطي .
التجار أيضاً من العناصر الأساسية في سياسة التنمية التي تتخذ الريف مركزاً ، فإذا لم تكن التجارة حرة والتجار حري الحركة لن يستطيع الانتاج الزراعي أن يصل الي أسواقه في الزمان أو المكان المناسب ، وفي هذا الوقت الذي يصادر فيه النظام حرية وحركة التجار ويحتكر التجارة لن يتمكن من تطبيق سياسته التنموية الزراعية عملياً ، وإذا استمر النظام في احتكار التجارة والانتاج الزراعي فسوف يعمل علي شراء عرق المزارعين بأبخس الأسعار التي يحددها بنفسه ليبيعه بأغلى الأسعار التي يحددها هو أيضاً ، أما السياسة الزراعية التي ستطبق علي أرض الواقع فلن تكون سياسةً تنموية زراعية تستهدف الريف إنما ستكون ذات سياسة النظام القائمة الآن والمعروفة بـ( طمور محرس ) والتي تسيطر فيها الحكومة علي كلٍّ من المزارع وعلي إنتاجه ، وإذا عاش المزارع طويلاً في مثل هذه الظروف فإنه سوف يتعرض الي المزيد من الفقر ومن ثم يضطر الي ترك أرضه والنزوح الي المدينة .
والعامل الثاني الذي يؤثر سلبياً علي التنمية الريفية هو النظام الإداري الإقليمي الجديد الذي أدخله نظام إسياس الدكتاتوري ، فمن المعروف أن ارتريا قسمت بموجب هذا النظام الجديد الي ستة أقاليم ، وكنتيجة لهذا النظام الإداري المهووس تعقدت شؤون المواطن الإدارية فأصبح يسكن إقليماً ويدار أو يحكم بواسطة إقليم آخر يبعد عنه عشرات أو مئات الكيلو مترات ، فمثلاً نجد أراضي من المرتفعات تابعة إدارياً للمنخفضات الشرقية أوالغربية أو العكس .
وهذا النظام الإداري الشديد التعقيد والذي يصعب حتي مجرد شرحه وتوضيحه للقارئ ولا يتفق مع إمكانات المواطن أصبح عسير التطبيق علي أرض الواقع ، وفي أوضاع بهذا القدر من البلة الشاملة لا يمكن أن تتحقق تنمية ريفية ، وما ابتدعه نظام إسياس من نظام إداري عسكري جديد أسماه بــ ( العمليات ) كمخرج من البلبلة الإدارية التي صنعها بنفسه لم يزد الأزمة الإدارية إلا سوءاً وتعقيداً ، فحكام الأقاليم في نزاعٍ دائم علي السلطات والصلاحيات مع مديري ما يسمّـى بالـ( العمليات ) ، ولهذا فلن يتمكن النظام الإداري الذي لم يوفق الإداريون والقادة في إحكامه من أن يجعل حياة الشعب الإدارية سهلةً وميسورة .
لذلك فليس لنظام إسياس القدرة علي تحقيق تنمية تتمركز في الريف ، وما لم تتحقق الديمقراطية السياسية ، الاجتماعية والاقتصادية ، وإذا لم يكن العدل والسلام هما السائدين ، وما لم تكن ملكية الأرض بيد الشعب ، ما لم تتحقق تلك الشروط فلن تتحقق التنمية الريفية لمجرد رفعها وترديدها شعاراً فقط
_________________
مـــــرحــبـا بــكـــم فـــــي شـــبـــكـــة الــــــريـــــــــــــــــــف